سيد محمد طنطاوي

71

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يسمعوا له ويطيعوا في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، كما حدث مع الأنصار ليلة العقبة ، وكما حدث مع المؤمنين جميعا في بيعة الرضوان وإنما أضيف الميثاق إلى اللَّه تأكيدا لوجوب الوفاء به ولأنه - سبحانه - هو الذي شرعه وهو الذي سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به وقال مجاهد : المراد به الميثاق الذي أخذه اللَّه على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم ، وضعف هذا القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعا . قال ابن جرير ما ملخصه : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك : قول ابن عباس ، وهو أن معناه : واذكروا أيها المؤمنون - نعمة اللَّه التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى الإسلام * ( ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه ) * يعنى : وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى اللَّه عليه وسلَّم على السمع والطاعة له في المنشط والمكره ، والعسر واليسر ، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا من المواثيق ، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه . . فأوفوا - أيها المؤمنون - بميثاقه الذي واثقكم به ونعمته التي أنعم عليكم بها يوف لكم بما ضمن لكم الوفاء به ، من إتمام نعمته عليكم ، وبإدخالكم جنته ، وإنعامكم بالخلود في دار كرامته وإنقاذكم من عذابه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم في صلب آدم ، لأن اللَّه بعد أن ذكر المؤمنين بميثاقه الذي واثقهم به ، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذي أخذه اللَّه عليهم في قوله : ولَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظهم من الوفاء للَّه بما عاهدهم عليه ، ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه « 1 » وبعد أن ذكر اللَّه - تعالى - المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به ختم - سبحانه - الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه قال : * ( واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * . أي : اشكروا اللَّه - أيها المؤمنون - على نعمته ، وكونوا أوفياء بعهودكم واتقوا اللَّه وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون ، وصونوا أنفسكم عن كل ما يكرهه لكم ، فإنه - سبحانه - عليم علما تاما بخفيات الأمور الكامنة في الصدور . وبكل ما يظهره الإنسان ويبطنه ، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم ، فيجازى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته و ( ذات الصدور ) هي الأمور المستقرة في الصدور ، فهي بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذي يلازمه ولا يفارقه . ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 140